ثقافات

23 فيفري اليوم الوطني للقصبة.. مقال بقلم بـلال زرڤـي

القلعة الكبيرة :
من المُفارقات العجيبة وصل كلمة «حي» بإسم «القصبة» كقول «حي القصبة» و هذه تسمية لا تليق بها كونها تُنقص من شأنها كنواة للجزائر الحديثة، و هي إهانة أيضا لتاريخ الجزائر، حتى و إن كانت إداريا مُصنّفة كبلديّة.
إنّ أغلب أسماء البلديات المجاورة للقصبة مُتعلّقة بها شاءت أم أبت.
قديما كانت مدينة “جزائر بنو مزغنة” (القصبة حاليا) مُحاطة بأسوارٍ ضخمة بأبوابها الخمسة التي كانت تُفتحُ عند شروق الشمس و تغلق مع غروبها بمِفتاحين كبيرين (متواجدين حاليا بمتحف الجيش بفرنسا).
يعلو المدينة دار السلطان أو قصر الداي الذي هو «القصبة» ،قبل أن تُعمَّمَ التسمية على كل المدينة لتداوُلِ سُكّانها عبارة “راني طالع للقصبة” أي أنا ذاهب بإتّجاه القصبة…قصر الداي مُتواجد قرب ثكنة علي خوجة (Caserne d’Orléan وقت الإستعمار الفرنسي).
أما عن المناطق المجاورة المتواجدة خارج أسوار القصبة فكانت عبارة عن حقول و جنانات تُسمّى «ديار الفحص» .
______________
و من التسميات المرتبطة بالقصبة :
• «باب الواد» : الذي هو في الأصل باب من الأبواب الخمسة للقصبة، كان الباب يقع بين ثانوية الأمير عبد القادر (قديما Lycée Bugeaud) و مديرية الأمن الوطني DGSN التي كانت قديما ثكنة للعسكر الفرنسيين (Caserne Pelissier) أين تواجد برج الزوبيا قديما. أما عن مدينة باب الواد المعروفة حاليا فقد كانت جبلا و مراعي تابعة للفحص.
•كمثال أيضا لدينا بلدية «الأبيار» El biar التي تقع أعلى دار السلطان و هذا المكان كان يحتوي على سبعة آبار تروي دار السلطان و أعلى المدينة بالمياه.
•بلدية «بولوغين» : تحمل إسم مؤسس جزائر بنو مزغنة أو القصبة ، حيث بناها الأمير بولوغين ابن زيري الأمازيغي حوالي 945 ميلادي على أنقاض المدينة الفينيقية/الرومانية القديمة ”إيكوزيوم” (خمسة قرون قبل دخول العثمانيين و ثلاث قرون قبل قيام الدولة العثمانية ) تحت راية الدولة الفاطميّة التي كانت تعتمد المذهب الشيعي، أسّس بولوغين كذلك مدينتي مليانة و المدية و هو ينتمي إلى عرش بنو مزغنة أين توجد بلدية بنفس الإسم إلى يومنا و كانت عاصمتهم مدينة آشير التاريخية (الكاف لخضر حاليا).
•بلدية «حسين داي» : الذي هو آخر دايات الجزائر و قد فرّ مع حاشيته و أمواله إلى إيطاليا فور دخول الفرنسيين لينتقل بعدها إلى مصر و يموت هناك و تُنقل رُفاته بعدها ليُدفن في تركيا موطنه الأصلي.
•حي «سوسطارة» : السور و الستارة، السور فما هو إلاّ سور القصبة من جهتها الشرقية أما الستارة فهي الشُّرفة .
•«قاع السّور» : أي نهاية السّور الذي هو نفسه سور القصبة الذي ينتهي قرب البحر أسفل المدينة .
•«عين الربوط» : أين كان الفرسان القادمون من خارج المدينة يربطون أحصنتهم و خيالهم ليُكملوا راجلين نحو القصبة (حاليا المكان معروف بساحة أول ماي بسيدي امحمد، شامانوف (champs de manœuvres).
•«سيدي امحمد» : نسبة للولي الصالح سيدي امحمد بوقبرين، حمِل هذا اللقب لأن له مقامين واحد بالحامّة بالعاصمة و الآخر ببُوغني بلدته الأصلية، حيث أسّس منهجه الصوفي المعروف بـ”الطريقة الرحمانية” المُنتشر كثيرا في منطقة القبائل، من سيدي عبد الرحمن و سيدي امحمد و مئات الأولياء لُقِّبت الجزائر بالمحروسة.
•«مصطفى باشا» : و هو أحد دايات الجزائر، بُنِي على أراضيه المستشفى الذي يحمل إسمه و من أملاكه أيضا كل الأراضي المجاورة إلى قصر الشعب.
«سجن بربروس» : نسبة للإخوة بربروس اللذان دخلا الجزائر سنة 1516 لتخليصها من الإسبان، يعود أصلهما لمقدونيا، و بعد مقتل عروج الأخ الأكبر، قام خير الدين بضمِّ المدينة للدولة العثمانية لتصبح “إيالة الجزائر”، عُرِف سجن بربروس بـإسم “سركاجي“ Sirke (سيركي)التي تعني “الخل” باللغة التركية و التسمية تعمّمت نظرا لتواجد مصنع للخل في السجن القديم الذي تواجد في حي سيدي رمضان، سجن بربروس فرنسي البناء بُنِيَ مكان التحصين العثماني القديم.
•«الرايس حميدو» : إسمه الحقيقي “محمد بن علي” المدعو حميدو ، و كان من سكان القصبة، اشتغل بها خيّاطًا مع أبيه، ليتقلّد بعد سنوات رتبة رايس للبحرية الجزائرية، و هو معروف بفرض الجزية على الأمريكيين و كان حميدو كابوس الأساطيل الأوروبية.
•«دالي براهيم» : الدلي deli تعني المجنون باللغة التركية
•دالي براهيم هو أحد دايات الجزائر ،حكمها لمدة خمسة أشهر فقط قبل أن يُقتل من طرف الإنكشاريين، و قد امتلك أراضي بذات المنطقة.
•««بير مراد رايس» : قد يكون نسبة للبئر المتواجد على الشارع الرئيسي و التي أوقفها لله “مراد رايس” رئيس البحرية الجزائرية و هو هولندي الأصل ، إسمه الحقيقي هو johne van Haarlem ، إنّما كلمة “بير” bir هي “الرقم واحد” باللغة التركية و قد ترجع لـ “مراد رايس الكبير” الذي عاش زمن خير الدين بربروس و هو ألباني الأصل.
فالعثمانيون في الجزائر ليسوا بالضرورة أتراك، كان منهم أوروبيون إرتفعوا إلى عرش الداي منهم الإيطالي “حسين باشا” المعروف بإسم “الداي ميزو مورتو” (أي الميِّت نِصفِيًّا بالإيطالية Mezzo morto)، و الداي “الحاج حسن” من ألبانيا و الداي “عمر باشا” الذي يعود أصله إلى اليونان.
من العثمانيين أيضا من أنجبوا أطفالا مع جزائريات من السكان الأصليين غير أنهم لم يعترفوا أحيانا بأبنائهم و لقّبوهم بالكراغلة التي تعني “العبيد” باللغة التركية ( الكوروغلي Köleler ).
•«الشراڤة» : تحرّفت إلى Chéragha ثمّ Chéragas أي شريعة الآغا” (الآغا هو أعلى رتبة في الجيش البري العثماني)
أما في الرواية الأصلية فتعود التسمية إلى قبائل الشراڤة أي القادمة من شرق الجزائر ، خصوصا من منطقة “دلس”.
«حيدرة» : تحرّفت من “حوش الآغا”.
«برج الحراش» (الحراش) و «برج الكيفان» : ماهي إلا مواقع أبراج تحمي مدينة جزائر بنو مزغنة في عهد العثمانيين.
•إضافة إلى «المرادية» (Golf) نسبةً إلى الشهيد ديدوش مراد و «السويدانية» إلى الشهيد سويداني بوجمعة (saint ferdinand قديما) و المدنية نِسبةً للإخوة مدني (قديما كانت Salembier التي تعني “سالم باي”)، الرحمانية نِسبة للطريقة الرحمانية…
•«بابا حسن» : ثاني الدايات ، شارك بالثورة التي أطاحت بحكم الأغاوات و تولّى مقاليد الحكم بعد وضع الحدود الإقليمية بين الجزائر و المغرب الأقصى ، تمّ اغتياله من طرف رياس البحر على يد براهيم خوجة (الذي أصبح داي فيما بعد) بعد رضوخه لطلب الملك الفرنسي (لويس الرابع عشر) في تحرير الأسرى، و نُصِّب مكانه الداي الحاج حسين ميزو مورتو.
«بابا علي» : أول ما شرع فيه فور تسلُّمِه مقاليد الحكم هو قيامه بإخماد الثورة الشعبية القائمة ضد الحكومة التركية ،هو أوّل من حمل لقب “باشا” مُقترنا بلقب الدايوِيّة و عُرِفَت عُهدته بحدث مهم و مأساوي بتاريخ القصبة و هو الزلزال الذي ضربها و أودى بسقوط ثلثيها في فيفري 1715.
«الدويرة » : هو الإسم الذي يُطلق على بيت بالقصبة بطابعه الموريسكي.
______________
صُنِّفت القصبة كمعلم تاريخي محمي من طرف اليونسكو عام 1992 و خصّصت لها المنظمة ميزانية ضخمة ، لكنها سرعان ما باتت كاليتيم الذي يُأكل ماله،
القصبة شبيهة بالمُدمن الفاقد لأسنانه جراء تحطّم بيوت و وقوف أخرى ، من بطش البشر الطامعين و جراء إهمال المسؤولين و غدر الجمعِيّات التي تُتاجِرُ بمأساتِها، فأضحت الدويرات ساحات عمومية للأكابر أو ملاعب كرة القدم للأطفال…أُريدَ بها دفنها و هي حيّة و من ثمَّ وأد تاريخ الجزائر.
أغلب البلديات، الأحياء المجاورة إلا و إسمها نُسِبَ لمدخل معيّن أو وظيفة أو شخصيات تيمُّناً بالقصبة التي تُعتبر هي الأصل و هي نفسها التي تُنعت اليوم بـ«الحي»…
كل دويرة، مسجد، عين، مقهى، حمام، زنقة، أو صاباط يحكي حكاية.
القلعة الكبيرة تنهار بصمت و كل حجرة فيها تحكي حكاية.
القصبة هي أرض التسامح و التعايش، بالأمس القريب تعايشت فيها معابد الديانات الثلاث.
القصبة المغدورة قضيّة كل الشعب الجزائري، هي نموذج مُصَغَّر للجزائر (البلد) كَونها مَحَطَّة اِستَضافَت كل الجزائريين الذين قَدِمُوا إليها من مُختلف رُبُوع الوطن .
ترميم/إعادة تأهيل “مدينة الجزائر التاريخِيّة” (القصبة) أصبَحَ أمرًا حتمِيًّا ضِمنَ مشروع وطني جاد و صادِق، لِحِفظ الذاكرة الجماعِيّة للجزائريين !
قصر رِياس البحر Bastion 23 (الذي هو في الأصل حَيٌّ بِأكمَلِهِ تابع للقصبة السفلى) يُعتَبَرُ نمُوذَجًا مُصغَّرًا لِإمكانِيّة نجاح المشروع لإستِصلاح و حفظ التُراث و الذاكِرة المادِيّة للمحروسة بالله.
بلال زرڤـي

مقالات ذات صلة

إغلاق