آراء وتحاليلدولي

لبنان وترسيخ المحاصصة..

بقلم: حمزة زايت / باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

يَدرس طلبة العلوم السياسية في أي مكان في العالم، سواء في الجزائر أو حتى في جامعة “هَارفَرد” مثلا، نماذج للنُظم السياسية والتي لها تقاليد معترف بها على المستوى التاريخي، وفي أغلب كليات ومعاهد علم السياسة يُدرَس مقياس مخصص لهذا يُسمى النُظم السياسية المقارِنة، من أشهر النُظم مثلا: النظام الرئاسي وشبه رئاسي والبرلماني وحتى الملكي الدستوري والشمولي أيضاً.

في المقابل من أعقد الأنظمة التي لا يُنصحُ بمحاولة الاقتراب منها أو فهم تجاذباتها السياسية هي النُظم التي تقوم وتُقَنِن الطائفية في تسيرها للدولة معتمدة على نهج المُحاصَصَة، ومن بينها المشهد السياسي اللبناني، فهو لا يعتمد على الطائفية فحسب بل يتخطى هذا، وينتهج مبدأ الوراثة على مستوى زعامة الحزب ومن ثم زعامة الطائفة، وهو ما يتجَسد في أن الرئيس دائما مسيحي ورئيس الوزراء سني ورئيس البرلمان شيعي وهذا مُدَستَر.

لا شك أن انفجار نترات الألمنيوم في مرفأ بيروت منذ حوالي ثلاث أسابيع، قد دفع الى سطح بعديد التساؤلاتِ حول الفساد الذي أصبح يطغى في لبنان، وهو في تضخم مستمر كحالِ أغلب بلدان الوطن العربي مع الأسف الشديد، وأكد فشل نظام المُحاصَصَة في المنصب الذي يُتَفَق عليه في لبنان رغم أنه أصبح مقترنا بالفساد، فمع تقاسم المناصب يتم تقاسم الريع الذي غالبا لا يعرف المشروعية.

النظام الطائفي في لبنان عميق تعود جدوره الى ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية نهاية الستينات، والتي اندلعت بين المَارُونِيين (فئة من مسيحيي لبنان) والمقاومة الفلسطينية في الجنوب اللبناني لتنتقل بعدها وتشمل عديد الطوائف أخرى لأكثر من عقد من الزمن، انتجت هذه الحرب الأهلية مليشيات تحولت بعد اتفاق “الطائف” الى أحزاب تتقاسم كل شيء في الدولة بداية من الميزانية الى غاية المناصب السياسية، وهذه كارثة في حق لبنان والشعب اللبناني والسياسة أيضا، لأنه يعطي الأولوية لولاء الطائفة على حساب الكفاءة مما يؤدي الى تردي الأوضاع على كل المستويات.

ومع مرور الوقت توحلت الطائفية الى ثقافة سياسية سائدة، عكس العراق الذي لم تتجذر فيه الطائفية بشكل كبير ولم تُدَستر، وهو ما يجعل الحالة اللبنانية صعبة التغيير، ما يجب اداركه جيدا أن استبدال النظام الحالي لم ولن يتم في عام أو عامين، رغم أن الجيل الجديد في لبنان يمقُت الطائفية ويرفض المحاصَصَة التي لم تسلم حتى الجامعات منها سواء على مستوى عمداء الكليات ورؤساء الجامعات، أو على مستوى المناصب البيداغوجية الأقل أهميةً.

ما حدث ويحدث في لبنان، أن الطائفية نَفّرت غالبية الشعب من السياسة والحياة السياسة عن طريق زبانيتها، يَعرِف هذا النفور تزايداً في العقد الأخير من الزمن، وعليه هذا يفتح المجال للديماغوجيين والغوغائيين الذين يقومون باستغلال هذا الفراغ في الساحة، للحصول على اقصى قدر من الامتيازات الفئوية والمصالح الشخصية أو العائلية.

من المتفق عليه بالنسبة لأي متابع ولو بشكل بسيط للسياسة أن الحلّ في لبنان يكمن في العمل على ترسيخ ثقافة الدولة، بعيدا عن الطائفية، بداية من دستور جديد للبلاد يمنع انشاء أحزاب على أسس عقائدية أو طائفية، وهو ما تأكد في الحراك اللبناني السنة الماضية، حيث أكد المتظاهرون في تعبيراتهم البسيطة عن رفضهم لهذا الشكل من الحكم وتسيير البلاد، مطالبين جميع تيارات الطبقة السياسية بالرحيل “كلكن يعني كلكن”.

من جهة فإن أغلبية الأحزاب الطائفية تصر على بقاء الحياة السياسية على حالها من أجل الاستمرار في المصالح الفؤية، مستعملة في هذا خطاباً طائفياً عرقياً تجاوزه الزمن منذ عقود، وقد تناسته الدول التي تحترم نفسها وتجاوزته، هذا التجاوز هو الذي مكنها من بناء دول حديثة سارت وتسير بخطى ثابتة في طريق التطور والنمو، بل أصبح نمط العيش فيها يثير شهية سياسيين كثرٍ على شاكلة الطبقة السياسية اللبنانية ومثيلاتها في البلدان العربية.

إن الأكثرية الطائفية لا تصنع ديمقراطية، بل من يمكن له خلقها وترسيخها هم طلاب الجامعات والمثقفون والصحفيون، الذين عايشوا السياسيين الطائفين الذي يختلفون فيما بينهم من ناحية المذهب والجماعة ولكنهم يتفقون على الفساد.

البديل للمحاصصة الطائفية هو دولة المواطنة أي أن الدولة تتعامل مع الفرد بتجاهل الدين أو الطائفة أو القومية أو الجماعة أو العشيرة، هذا التجاهل هو الذي يؤدي الى تلاحم بين السكان، وبصيغة أخرى تصبح المعيار الأساسي في العلاقة بين الدولة والفرد غير مبنية على هويته بل على مواطنته اللبنانية أو غيرها وهو حجر الأساس في الديمقراطية، أما غير هذا من المحاصصة الطائفية أو العرقية أو حتى الجهوية فهو عودة الى وراء وفق رؤية مخابر أجنبية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق