دولينقطة رجوع

ليبيا من اللادولة الى مشروع التقسيم..

 

بقلم: حمزة زايت / باحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية

من يعتقد أن الأزمة الليبية هي وليدة السنين الأخيرة، أو إفراز للعقد الزمني الأخير، فهو أبعد مما يكون على فهم هذه الأزمة وإدراك المشهد، وهو في منطقةٍ ما من التفكير تتميزُ بالإفراطِ في تبسيطِ ظاهرِ الأشياء، دون الاعتقاد حتى بوجودِ باطنٍ لها، أي باطنِ أمورٍ عديدةٍ مخفيةٍ ذاتَ تأثير يبلغُ حدودَ الأهميةِ، إن هذا المقال لا يدعي معلوماتٍ غابت عن غيره وإنما هو محاولةٌ لتجميعِ الصورةِ في شكلٍ يُسَهِل لغيرِ المتابع وغير المُدركِ أن يتابع ويُدرك.

ليبيا كانت جزءاً من الدولةِ العثمانية الى غاية سنة 1911، مع هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى ثم انهيار الدولة بعد الحرب، أصبحت ليبيا تحت الاستعمار الإيطالي الى غايةِ الحرب العالمية الثانية أين هُزِمت دُول المِحور أمام الحُلفاء، لتَرِث هذه الأخيرة مُستعمراتِ الدول الخاسرة ، أصبحت ليبيا تقع تحت سيطرة مشتركةٍ بين الإمبراطوريتين التَقليديتين فرنسا وبريطانيا، حيث قُسمَت ليبيا بينهما مناطق “فزان” وهو الجنوب الغربي الليبي كان تحت الإدارة العسكرية الفرنسية، أما الشمال الغربي أي منطقة “طرابلس” والشرق مُمَثَل في مناطق “برقة” فكانتا تحت الإدارة العسكرية البريطانية، في هذا الوقت لم تكن القوةُ الدولية الجديدة وهي الولايات المتحدة الأمريكية قد بدأت في الدخول بشكلٍ فعلي في منطقةِ الشرقِ الأوسط، أما الاتحاد السوفياتي فظل يُطَالِب بالحصول على بعض المناطقِ في الشرق الليبي، لكي يَضمنَ تَواجدَ أسطولهِ البَحري المُنتصر في الحرب العالمية الثانية على ضفاف البحر الأبيض الأوسط، علاوة على إثبات وجوده كقوةٍ دولية جديدة قادرةٍ ومستعدة في أي وقت لإرثِ الإمبراطورتين المُتضررتين من الحرب العالمية الأخيرة.

استَقلت ليبيا سنة 1951مع بقاءِ القواعدِ العسكرية، أُعلِنت المملكة الليبية المتحدة، حيث نَشَأت بعد اتحادٍ فيديرالي بين الإمارات الثلاث (برقة، طرابلس وفزان)، وتوّلى الملك “إدريس الأول السنوسي” الحُكم وهو كان زعيم الحركةِ السنوسية وأصوله جزائرية أيضاً، ما يجب الإشارة إليه أنه وعند استقلالها، صُنِفَت ليبيا هي واندونيسيا كأفقر الدولِ في العالم ولم يكن يتجاوز عدد خَرِجي الجَامعات العَشرات من الليبيين.

يُقسم تاريخُ المملكة الليبية باستخدام مؤشرين الأول اقتصادي والثاني سياسي مُتعلق بشكل النظام، المؤشرُ الاقتصادي يتمحور في النفط وعائداته، فقد اكتُشِف سنة 1957 لكن عائداته لم تكن ترجَع للخزينة المملكة، بل كانت تذهبُ للشركاتِ متعددةِ الجنسيات التي كانت تستخرج النفط في ليبيا، هذه المرحلة يطلق عليها مرحلة الفقر تليها مرحلة ما عُرِف بعد ذلك بـ “المرحلة النفطية” أين بَدأت الدولة تَحصلُ على نسب متصاعدة من العائدات النفطية، يقول “محمد المقريف” رئيس أول مجلس انتقالي بعد سقوط “القذافي” الذي سميّ المؤتمر الوطني العام، يقول: أن العَهد الملكي والذي دَام 18 سنة كان من أزهى الفترات في تاريخِ ليبيا الحديث كما عَرفت هذه الفترة حياة نيابية ديمقراطية مقبولة الى حدٍ بعيد.

في الفاتح من سبتمبر سنة 1969 قَامَ مجموعة من ضباط الجيش الليبي بحركة انقلابية على الملك “إدريس الأول”، عُرِف هذا الانقلاب بانقلاب الملازمين، حيث أن أكبر الضباط رتبة لم يتجاوز آنذك رتبة ملازم أول، وكان هذا هو الاستغراب الأول، الاستغراب الثاني والذي أثار عديد التساؤلات هو كيف لمجموعة شابة من الملازمين أن يقودوا حركة تصحيحية في دولةٍ شاسعةٍ كليبيا تعرفُ تواجد قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية دون أن يكون هناك أي نوع من التدخل، الملك “إدربس” كان يومها في مصر وأعلنَ عدم رُجوعهِ لليبيا ،وهو ما طَمأن الضباط الشباب والذين بقوا مَجهُولين الى غايةِ بداية سنة 1970، كان أبرزهم “معمر القذافي”، عبد السلام جلود”، عبد المنعم الهوني”، “مصطفى الخروبي”، “عمر المحيشي” و”محمد أبو بكر المقريف”.

بعد هذا الانقلاب قَامَ “القذافي” وزملائه بإلغاءِ الملكيةِ والكشف عن إعلان دستوري تَضمنَ قيام الجمهورية الليبية، لتتحول بعد ذلك الى الجَمَاهِرِية الليبية في نظامٍ سياسي فريدٍ من نوعه، يَعتمدُ على حُكم الشعب عن طريق ما عُرِف باللجانِ الشعبية، ويَضعُ حدّاً للبُنيةِ الدولة بالشكلِ المتعارفِ عليه من تقسيمِ الاختصاصات والفصلِ بين السلطات واستقلالية القضاء، وهو ما كان موجوداً ولو بشكل بسيط في عهد الملكية.

جَمَاهِرِية “القذافي” لم تكن فريدة من نوعها فقط، بل سَاهمت بشكلٍ مباشرٍ في تَغييبِ الدولة في أي شكل من أشكالها، وهو ما أدى الى انتشارِ الشعبويةِ والغَوغَائِيةٍ بشكل رهيب، حيث أصبحَ أي شخصٍ يقوم بخرقٍ ما ويَنسَبُهُ للجان الشعبيةِ، كحوادثِ الاغتيالات التي طَالت المعارضين والتي صرح بشأنها “القذافي” آنذاك، أنه لا يَملِكُ سُلطةَ مَنعِ اللِجان الشَعبِية من تنفيذها، زيادةً على هذا فشل المجتمع الليبي نفسه في الانتقال من المجتمع القبائلي الذي ولائه للقبيلة وزعيمها، الى مجتمعٍ حديث ولائه للدولةِ الوطنية، وللنِظام الجَمَاهِيرِي دور في هذا.

ما حَدث في ليبيا سنة 2011 عُقبَ الثورة ضدَ نظام “القذافي” كان نتيجةَ هذا التَغييب الذي طَال الدولة ولدَورها ولثقافتها، فمن بين أكبر الأخطاء التي ارتَكبها “القذافي” والتي لا تُغتفر أنه شًخصَنَ الدولة ولم ينشئ جيش بعقيدة وطنية بل حارب هذه العقيدة واستبدلها بعقيدة الولاء لشخصه وعائلته، ما حَدث وما يَحدث في ليبيا هو انعكاسٌ لمرحلة اللادولة التي عاشتها ليبيا والشعب الليبي في عهد الجَمَاهِرِيَة.

إن كل القوى الدولية التقليدية وغير التقليدية تَحلُمُ باستعادة نُفوذِها في ليبيا سواءٌ بشكلٍ مباشرٍ كتركيا، أو بشكل غير مباشر كروسيا وانجلترا هو ما أصبَح يُعرَفُ بحروب بالوكَالة، إن تَقسِيم ليبيا الفيدرالي في أربعينيات القرن الماضي (برقة، فزان، طرابلس) يعادُ حالياً بعد قرابةِ الثمانين عاماً، إن ذَنبُ ليبيا أنها صحراء شاسعة نائمة على حقول ضخمة من النفطِ والغاز، وهذا كافي لإسالة لعاب أطراف خارجية عديد سواء الإمبراطوريات التقليدية او الامبراطوريات ” المجهرية” ، مشكلة ليبيا هي مشكلة موقع، موقع مميّز و استراتيجي و دولة غائبة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق