آراء وتحاليل

نوفمبر الأحرار وديسمبر الانتحار.. بقلم رضوان بوجمعة

يستعد الجزائريون والجزائريات لأول مرة منذ الاستقلال لاحتفالات شعبية غير مسبوقة بثورة نوفمبر 1954، فالصور والفيديوهات الواردة من كل الأحياء والقرى والأرياف والمدن تؤكد إصرار الأمة على استرجاع تاريخ الثورة الذي صادرته “نخب” استولت على السلطة بعد انقلابها على الحكومة المؤقتة.

وتأتي هذه الاحتفالات لتؤكد من خلالها الأمة الجزائرية استرجاع الاستقلال المصادر، والثورة التي اغتالها رجال سلطة يعبدون السلطة ويستعبدون الأمة، ويرفضون الاعتراف لها بحقها في تقرير مصيرها في بناء الدولة والمؤسسات، بعيدا عن النرجسية المرضية للأشخاص الذين يعتقدون أنهم هم الدولة ووهم الجزائر، بل هم الذين يحق لهم الحديث باسم الجزائر، كما يحق لهم ما لا يحق لغيرهم من باقي الجزائريين والجزائريات.
الأمة الجزائرية التي تسير منذ 9 أشهر نحو تحرير البلاد من عقلية الشخص الواحد، ومن سياسة القوة، ومن جنون كل المغامرين الذين فرضوا على الجزائر نمط تعيين الرؤساء منذ 1962 إلى غاية اليوم، لبناء جزائر جديدة بعيدا عن عصب وشبكات سلطة انتهت تاريخيا، وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا على الأمن القومي بعدما رهنت خيرات وثورات الوطن، وتلاعبت بتاريخه، وتهدد وحدة كيانه وجغرافيته بخطابات سياسية، تحمل العنف والاقصاء والكراهية و الاستفزاز… خطابات مرضية تشخصن الدولة، وتهين الأمة، وتعتبر كل أصوات الجزائريين والجزائريات الذين لا يسبحون بحمد الشخص الواحد بأنها “أصوات ناعقة”، كما أنها خطابات تتهم كل من لا يرى ما يراه المتحكمون في السلطة، بأن أصوات تدعي “الثقافة الواسعة”، وهو خطاب باتولوجي مرضي قد يعجز أحسن المتخصصين في التحليل النفسي والأمراض العقلية في تحليله.
الجزائر اليوم، عشية الاحتفال بالذكرى 65 لثورة التحرير، وفي الشهر التاسع من ثورة التحرر من نظام الفساد والاستبداد والاستعباد ، أمام زمنين مختلفين، زمن الأمة الثائرة المعتزة بتاريخها والمتطلعة لبناء المستقبل، وزمن سلطة هرمة تنتج الذل في المحافل الدولية وتختصر الماضي والحاضر والمستقبل في تاريخ 12 ديسمبر.
الجزائر أمام زمن أمة موحدة في تنوعها، متطلعة لبناء جزائر الحرية والتنوع والاعتراف بالاختلاف وبالحق في التعبير وممارسة الحريات، في حين أن زمن السلطة هو زمن الشبكات وتقاتل العصب المتناحرة والمتقاتلة، عصب تقذف بعضها بعضا بالعنف والإهانة والانتقام، عصب أحادية التوجه، لا تعرف معنى الاختلاف ولا التنوع، وهي غارقة كلها في الفساد، عصب متفقة على الاستمرار في الريع ولا تعترف بالعيش المشترك، لأنها عصب لا تعرف الذكاء ولا أمانة الشهداء، لأنها عصب ولدت في المناورات والمؤامرات.
زمن الأمة هو نوفمبر الثوار والأحرار، وزمن السلطة هو ديسمبر الدمار والانتحار، زمن الأمة هو نوفمبر النخب الجديدة والجزائر الجديدة والثقافة الواسعة وقوة السياسة، أما زمن السلطة فهو ديسمبر “النخب” القديمة من خدم بوتفليقة والتوفيق، من مترشحين خدموا بوتفليقة وصنعتهم شبكات العربي بلخير وتوفيق مدين… وغيرها من أسماء محدودة الثقافة وضيقة الأفق، لا تعترف إلا بسياسة القوة.
زمن الأمة هو زمن الوفاء للشهداء، وزمن السلطة هو زمن الولاء لمن يملك القوة، لذلك فزمن الأمة هو المستقبل، وزمن السلطة هو الماضي.. زمن الأمة هو الجزائر الجديدة التي يعاديها ويكرهها ويسجنها ويعتقلها ديسمبر الدمار والانتحار.

الجزائر في 30 أكتوبر 2019
تحرير وتصوير رضوان بوجمعة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق