آراء وتحاليل

التلفزيون العمومي والقطيعة مع الدعاية والكراهية

لا يمكن للجزائر الجديدة أن تتقدم خطوة واحدة في مسيرتها نحو بناء المؤسسات، دون فتح ورشة التغيير الجذري لمؤسسة التلفزيون العمومي، التي تعتبر أحد أهم مظاهر احتكار المال العام لخدمة السلطة وبعض رموزها، كما أن أداءها يمثل قمة الفشل الإعلامي، والفساد المالي، والممارسة الدعائية المتخلفة.

إن هذا “الجهاز الدعائي”، يعطي صورة جد متخلفة عن مجتمع يريد أن يعيش الألفية الثالثة، أمام سلطة مستعدة لتقسيمه إلى قبائل وشيع وقرى وأحياء… لتضمن استمراريتها على رأس حكم ولد من انقلاب على شرعية الحكومة المؤقتة.
أول قرار في مسار التغيير، قد يكون بنزع سلطة تعيين مدير التلفزيون العمومي من صلاحيات السلطة التنفيذية، وتحويل ذلك إلى البرلمان، مع خلق آليات لضبط أدائه المهني من قبل سلطة ضبط مدنية ومهنية، تجعل من الالتزام بدفتر شروط الخدمة العمومية مسألة قانونية ومهنية وسياسية لا يمكن لأي أحد مهما كانت سلطته ومركزه من المساس بها.
التلفزيون العمومي ومنذ الانقلاب على الحكومة المؤقتة، تم استخدامه كجهاز دعاية لخدمة سلطة الشخص الواحد، من بن بلة إلى بومدين وشاذلي وزروال وبوتفليقة، كما أنه استخدم في حملات كراهية واستعداء لكل من لا يرى ما تراه السلطة.. فقد استعمل لتشويه تاريخ الكثير من رموز الحركة الوطنية التي رفضت التصفيق لكل الانقلابات العسكرية، وفرض الرؤساء والسياسات على رقاب الجزائريين والجزائريات.
التلفزيون العمومي انتقل في التسعينيات بعد انفتاحه مع حكومة الإصلاحات، إلى تخوين وتشويه الرموز الوطنية من عبد الحميد مهري وأحمد بن بلة وحسين آيت أحمد وعلي يحيى عبد النور، بعد توقيعهم على أرضية العقد الوطني بروما، بل وتجرأ بعض مشعوذي ومشعوذات الإعلام الذين استفادوا من ريع ومناصب المنظومة، إلى حد الدعوة لاعتقالهم ومحاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى. كما استخدم التليفزيون بشكل بشع للدعاية للحرب وللاقتتال بين الجزائريين والجزائريات حتى بومضات إشهارية تشهر للحرب، ومضات كانت تبث قبيل نشرة الثامنة بعلامة دعائية سميت (رجال واقفون).
كما أن الجهاز ذاته استخدم لتضخيم تصريحات أصوات الدعاية لصالح الحرب ومن مختلف التوجهات، وسخر لبناء صورة الرجل المعجزة والدبلوماسي العظيم والمجاهد الأكبر… بل وربط القداسة بشخص عبد العزيز بوتفليقة، فتحولت النشرات الرئيسية إلى نشرات “رئاسية” تتم فيها قراءة كل ما يخصه.. نشرات تدوم بين ساعة وساعة ونصف، تتبع بصفحات خاصة تحصي إنجازاته وحكمته وسداد رأيه وعظمة شخصه ونظافة روحه ما ظهر منها وما بطن!
وبالإضافة للدعاية والكذب والتضليل، مارس التلفزيون العمومي الكثير من الكراهية ضد كل من يطرح إشكالية شرعية منظومة الحكم، في مسار شامل لدفن الصحفيين المهنيين من خلال توظيف “فيالق” من الصحفيين والصحفيات الذي يمتهنون الدعاية ويدينون بالرداءة، في إطار تسيير رديء من مدراء التلفزيون الذين اغتنى الكثير منهم بمال الفساد بسبب تأسيس الكثير منهم لشركات إنتاج تستخدم وسائل التلفزيون المادية والبشرية، لبيع هذه المنتوجات بفواتير مضخمة لإدارة التلفزيون نفسه!
الفساد المالي في التلفزيون والرداءة الإعلامية وممارسة الدعاية والكراهية، هي أهم تحديات بناء تلفزيون عمومي جديد يؤدي الخدمة العمومية في الجزائر الجديدة، تلفزيون يعمل على ترشيد النفقات ومحاربة التبذير والتسيب في التسيير، ومتابعة المسؤولين عن سرقة أمواله وأرشيفه… لبداية عهد جديد، حيث يقوم التلفزيون بخدمة الدولة والأمة وليس السلطة بعصبها وشبكاتها، تلفزيون يؤدي الخدمة العمومية وليس الخدمة الحكومية، تلفزيون يمارس الاعلام ويقطع نهائيا مع عهد عبادة الأشخاص، ومع الوطنية المزيفة، والدعاية والكراهية.

الجزائر في 13 جويلية 2019
تحرير وتصوير رضوان بوجمعة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق