آراء وتحاليل

مـــا بين الحل الدستوري والحل السيــاسي.. بقلم حاج بكوش حبيب

بعد أن خرجنـــــا كشعب موحد بشعـــــار واحد “لا للعهدة الخــــــامسة”، خُطِّطَ لإضعاف الحراك بمحــــاولة استنزاف الطـــــــاقة للمطــــالبين بالتغيير والذي ظهر منذ الوهلة الأولى بخروقـــــات عديدة للدستور أولهــــا كــــان بسحب الهيئة الناخبة
ان المرسوم الذي قرر من خلاله سحب الهيئة الانتخـــابية يعدّ خرق فـــــادح للدستور بمـــا أنّه كــــانت عهدة الرئيس الســــابق المنتهية ولايته، وان ذات الفعل أدّى بنــــا الى الوقوع في فراغ دستوري فــــادح
اليوم نحن في 08/04/2019، أي أنه مـــا زال 20 يومـــا فقط للحــــالة الشبه العـــــادية للدولة الجزائرية قبل الوقوع في حــــالة دولة بدون رئيس تمــــامًا
وفي في ظل الظروف الراهنة لاحظنـــا أنه رغم تلحم الشعب كرجل واحد للمطــــالبة بالتغيير بطريقة سلمية لا مثيل لهـــا في العــــالم من قبل، الا أنه ظهر اشكــــال آخر، وهو انعدام الثقة تمــــامًا
المشكل هو أن انعدام الثقة هذه، ليس فقط مــــا بين الشعب والطبقة السياسية الحــــاكمة فقط وانمــــا بين الشعب ومثقفيه وبين المثقفين وسياسييه وبين السياسيين والنخبة
منذ أن خرج الشعب، كلمة تداولت كثيرًا الا وهي “لا لتمثيل الحراك”. فكلّمــــا صعد شخص فوق المنصّة لإبداء رأيه هبّت النـــــاس في وجهه لإسكاته واتهـــــامه برغبته ركوب الموجة للتولي على السلطة
هذا فان دلّ على شيء، فانه يدلّ على أنه لا يوجد أي شخص أو أي حزب أو منظمة لديهــــا مصداقية لدى الشعب الذي بعد استقــــالة رئيس الجمهورية السابق أصبح يطـــــالب برحيل كل الأشخـــاص على رأس مؤسســـــات الدولة تحت شعـــار شعبوي أكثر ممــــا هو شعبي “يتنحــــاو قاع”
فبعدمــــا أن أخرجت هذه العبـــارة من قبل فرد من أفراد شعبنــــا، أصبحت تتداول على أفواه الكل بمــــا فيه المثقّف والغير المثقّف
ولكن بسبب حمـــــاسنــــا وكرهنــــا للمسؤول أعتبر أنّنـــــا بدأنــــا نخرج من إطــــار الموضوعية والحكمة
في هذا الاطـــــار ظهرت ثلاثة تيّارات، الأول ينـــادي بالحل الدستوري، الثــــاني بالحل السياسي البحت، والثــــالث بحل يمزج بين الحل الدستوري والسياسي
بكل موضوعية، أرى انّ الحل السيــــاسي البحت الذي يقترح خطة طريق مبنية على فكرة فترة انتقـــــالية خــــارجة عن النطـــــاق الدستوري خطير جدّا على الدولة الجزائرية
لا يمكن في ظل الظروف التي نعيشهـــا وبالمعطيـــات الحــــالية أن نخرج تمــــامًا عن الدستور، ليس مســــاندةً للنظــــام ولكن مساندةً لمبدأ أن المؤسســـات لا يمكن حلّهـــــا
مــــا يميّز الدولة، هو أنّهــــا تتمتع بالسيـّادة، وتمـــارس هذه الأخيرة بمؤسّســــاتهـــا وليس بأشخــــاص
مــــا هو معروف في العلوم القانونية، هو أن الدولة قــــائمة على أركــــان ثلاث: الشعب، الإقليم والسلطة
صحيح أنه وفقًا للمـــــادّة الســـابعة من الدستور ‬الشّعب مصدر كلّ سلطة والسّيادة الوطنيّة ملك للشّعب وحده
وبمــــا أن السّلطة مصدرهـــا الشعب، فعلى هذا الأخير أن يدرك مفــــاهيم قبل اتخــــاذ أي قرار في مواصلة الحراك من عدمه، وكيفية المواصلة في النضــــال من أجل تحقيق مطـــالبه
فالقول بأنه لابد من الخروج عن الاطـــــار الدستوري والمرور بفترة انتقـــالية بحل كل من مجلس الأمة، مجلس الشعبي الوطني، والمجلس الدستوري واستقــــالة الحكومة، يعني المســــاس بوجود الدولة ومؤسســــاتهـــــا
ان خروج الشعب للمطــــالبة بعدم ترشح بوتفليقة لعهدة خـــامسة، هو خروج لحمــــاية الدستور، ولمؤسســــات الدولة الجزائرية، أمّــــا الخروج للمطـــالبة بتطبيق خطة سيــــاسية غير دستورية ممكن أن يؤدي الى تمييع الدولة تمــــامًا بمـــا أنه يطـــالب بحل السلطـــات، ووضع سلطة غير دستورية
صحيح أن الهدف من هذه الخطة هو الانتقــــال الى حكم ديموقراطي، الّا أنه للوصول الى ذات الهدف لابد من اقتراح آليــــات يمكن اتبــــاعهــــا، بينمـــا يتبيّن من خلال هذا المقترح أنه يفتقر الى حجج وميكانزيم
الاشكــــالية المطروحة في حــــالة تطبيق هذه الخطة تكمن في كيفية تنصيب هذه الشخصيــــات التوافقية. ففي حــــالة حل كل السلطـــــات، الحل الوحيد هو اقحــــام المؤسسة العسكرية بصفة مباشرة في تنصيب هذه الشخصيــــات التوافقية بمـــا أن الجيش سيبقى المؤسسة الوحيدة القائمة
مـــا يثير الاهتمـــام في هذه الحــــالة، هو امكـــانية افقـــاد المؤسسة العسكرية كل مصداقية بمـــا أنه في حـــالة عدم نجــــاح الخطة، أوّل مؤسسة سيتمّ التشكيك فيهـــا هي الجيش بعدمــــا عرفنــــا كل الاحترام الذي يكنّه الشعب الجزائري لجيشه
كمــــا أنه وضع شخصيــــات يفترض انّهـــا توافقية، ففي غيـــاب نظـــام قــــانوني ودستوري، يمكن لذاتهـــا أن ترجعنــــا مرّةً أخرى الى أزمة سيـــاسية أخرى إذا مـــا استعملت الفراغ الدستوري للطغيـــان ولم تحترم مهــــامهــــا السياسي الغير الدستوري المفترض أنه تمّ التوافق عليه
كمـــا أن السيــــاسة معروف أنّهـــا نعني كيفية تسيير أمور الدولة داخليا وخــــارجيا وفق ايدولوجية محددة، والتي لابد من أن تخضع لقواعد ونظـــام قانوني محدد. بينمـــا الفترة الانتقالية تفتقر تمـــامًا الى ضوابط وقواعد محددة، كمـــا أنّنـــا نجهل تمـــامًا ايدولوجية هته الأشخـــاص المفترض أن تكون توافقية
فسننتقل في حالة الأخذ بفكرة الفترة الانتقالية من حــــالة هشــــاشة المؤسســـات الى عدمهـــا تمــــامًا من جهة، الى امكـــــانية التشكيك في المؤسسة الوحيدة التي ستبقى لمرافقة الانتقـــال التي هي المؤسسة العسكرية في حــــالة فشل الخطّة
كلّنـــــا نتردد مــــا بين هاته الحلول الثلاثة، ولكن إذا مــــا فكرنـــا قليلا، ووزنّــــا مـــا بين مزايـــاهـــا وعيوبهــــا نصل الى أن الحل السيــــاسي وان كــــان هدفه نبيل، هو أخطر من الحل الدستوري الذي يبّن خطة طريـــــق واضحة محــــافظةً على وجود الدولة ومؤسســـــاتهــــا وان لم يضمن انتقال ديموقراطي مؤكّد
ولكن كمـــا ذكرت، هنــــاك حل ثــــالث، يمزج مـــا بين الحلّين، السيــــاسي والدستوري
هنـــــا سأخرج عن الأسلوب القانوني البحت. نحن نعلم أن القانون هو ليس كلام مقدّس، ويمكننــــا أن نخرج عن اطــــاره الاجرائي دون المســــاس بمبدئه العــــام
المـــــادة 102 تنصّ على أنه بعد تولّي رئيس مجلس الأمة رئاسة الدولة بعد ثبوت شغور منصب رئيس الجمهورية، يجب تحضير انتخـــابات رئـــاسية في فترة أقصـــاهـــا 90 يومًا
وبمــــا نحن في حـــــالة استثنــــائية بالمفهوم السياسي، لا شيء يمنع من تمديد هذه المدّة من أجل تحضير الانتخــــابات التي في خلالهـــا يمكن تعديل قانون الانتخـــابات لضمــــان نزاهة الانتخــــابات
امــــا الكلام عن الأشخــــاص التي ستبقى على رأس مجلس الأمة والحكومة لا يهمني كون أن صلاحيــــاتهم في هذه الفترة محدودة جدًّا بمـــا أن الحكومة في هذه المرحلة هي مجرد حكومة تصريف أعمــــال
على كلّ حــــال، يبقى في نظري هذا الحل أقلّ خطورة بكثير من الحل السياسي البحت الذي سيورّط المؤسسة العسكرية في عملية سيــــاسية يمكن أن تضعف مصداقيته بعدمـــا كـــانت المؤسسة الأكثر محترمة في نظر الشعب الجزائري
بكل موضوعية، وبكل تواضع

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق