آراء وتحاليل

ما الذي يحدث في الأفافاس؟ .. الحلقة الأولى

فور خروجه من السرية في عام 1989 ، خلال الفاصل الديمقراطي العابر في  أعقاب أحداث أكتوبر 1988 ، واجهت جبهة القوى الاشتراكية (الأفافاس) التي أسسها حسين أيت أحمد ، سلسلة من العمليات من صنع الشرطة السياسية لضرب استقرارها و تقويضها . وكانت هذه المناورات المتكررة للسيطرة على الحزب تهدف على الدوام  الى خلق مناخ من عدم اليقين وإثارة القلق في صفوف المناضلين.

السلسلة غير المنقطعة تقريبا من التلاعبات التضليلة ومن عمليات التسميم و الاختراق واستقطاب الإطارات التي قام بها البوليس السياسي ضد حزب جبهة القوى الاشتراكية يتم صياغتها باستمرار بصفة موجهة في معظم الصحف الجزائرية التي يسيطر عليها النظام.

 

وأدت هذه الروايات التي يتم سردها وفق اشكال مختلفة إلى جعل الملاحظين البعيدين غير الملمين بالموضوع يتصورون أن الحزب المعارض الحقيقي الوحيد في الجزائر ما فتئ أن يخرج من نزاع داخلي حتى يدخل في نزاع آخر.وقد أعطى ذلك على مر السنين صورة حركة سياسية تتخبط في أزمة دائمة.

يتمثل الهدف الاستراتيجي للعمل الممنهج والبعيد المدى للبوليس السياسي الجزائري في تدجين، أو على الأقل في إضعاف، أحد الفاعلين السياسيين المستقلين القلائل الذي يعبر عن نظرة سياسية متماسكة وواقعية لها القابلية في تمكين البلاد من تجاوز حالة الانسداد التي تزداد خطورة في ظل ديكتاتورية عقيمة و قاتلة للحريات.

وعلى الرغم من أن أدوات النظام كانت تلجأ إلى وسائل وأساليب تنم على انعدام تام لادنى وازع الأخلاقي، عرف الحزب كيف يصمد في وجه الحملات المستمرة بفضل الشجاعة والصدق المطلق للزعيمه التاريخي وبفضل تبصر وفطنة مناضليه.

ومن خلال كل ربع قرن هذا الذي تميز بنهر من الدماء (1)و تبذير من دون قيد للموارد وتفكيك لتماسك الاجتماعي، لم يرضخ الأفافاس وتمكن من تفادي التدجين الذي كان يريده النظام.

يمكن لهذا النظام، الذي خنق كل الأصوات المعارضة المستقلة الأخرى، أن يتبجح بأنه خلق المشهد السياسي اصطناعي كليا فيه شخصيات من الإسلاميين والحداثيين يفترض أنهم يمثلون مجمل الطيف السياسي والجمعوي للبلاد.

هذا المشهد المفبرك تماما والذي لا يضلل أي جزائري، يسمح للنظام بمكافأة الزبائن. وهو مشهد موجه بشكل أساسي إلى الاستهلاك الأجنبي، الى الحماة الأجانب حيث هناك رأي عامر يصر على احترام مظاهر الديمقراطية. وبفضل بوليسهالسياسي ، يمكن هكذا  للنظام أن يعرض على شركائه الأجانب وجود حياة سياسية “كلاسيكية” لها مؤسسات مناسبة ، وفيها في مواجهة السلطة معارضة تبدو شديدة في بعض الأحيان ، ولكنها مصطنعة تماما وبالتالي يمكن تسييرها بصفة لا نهاية لها.

في هذا المشهد العام المظلل الذي يسود فيه التمظهر المزيف الذي- علينا تكرار ذلك- لا ينطلي على أحد ، حافظ حزب جبهة القوى الاشتراكية -الأفافاس- على سلامته واستقلاليته. لم تتوقف محاولات الرشوة وعمليات القصف المشترك للنظام وأحزاب الواجهة الشكلية  والصحافة الطائعة  ضد الأفافاس . ولكن أول حزب معارض للديكتاتورية عرف كيف يصمد أمام محاولات الإغراء والضغوطات ليظل الفاعل السياسي الوحيد الذي يتمتع بمصداقية لدى الرأي العام الجزائري.

 

توظيف معيب للقانون الأساسي

فشلت بصفة محتومة كل المناورات الهادفة الى اختراق  الحزب وتوجيه عمله في صالح السلطة أمام صرامة حسين أيتأحمد.غير ان هذه القدرة على مقاومة المكائد ضعفت بشكل كبير بعد وفاته في 23 ديسمبر 2015.

في فبراير الماضي ، أعلن في بيان صحفي أحد أعضاء الهيئة الرئاسية ، علي العسكري ، عن استقالته ، مطالباً بعقد مؤتمر استثنائي لملء المقاعد الشاغرة للهيئة الرئاسية الجماعية مستندا في ذلك الى القانون الأساسي للحزب.

قوبلت هذه الاستقالة المفاجئة بعدم فهم حقيقي من طرف العديد من المناضلين والمتعاطفين للحزب، لاسيما أنه لم يتم تقديم أي تبرير لقرار بهذه الدرجة من الأهمية. ما هي الدوافع الدقيقة لهذا القرار ولماذا اختيرت له هذه الفترة التي تتميز بدرجة كبيرة من الارتياب بشأن نوايا النظام حول مسألة تمديد رئيس مريض لعهدة خامسة والتي تمثل قمة في العجز العبثي عن التجدد؟

كيف يمكن لمسؤول كبير في الأفافاس الإقدام على اتخاذ مثل هذا الإجراء الاستعراضي والمثير لشقاق حاد في حزب ينادي  الى الاجماع منذ سنوات؟ تبقى
هذه الأسئلة بدون إجابة في الوقت الحالي.

 

ومع ذلك ، فإن هذه الاستقالة وهذه الدعوة إلى العودة الى القانون الاساسي تستند في الحقيقة الى كون المشاركين في المؤتمر الاستثنائي هم في الواقع مندوبي المؤتم العادي السابق. غير أن المؤتمر الأخير من هذا النوع انعقد عام 2012 ومن ذلك حين تمت تنحية العديد من المندوبين أو غادروا الحزب في وقت كان مؤسس الحزب، حسين أيت أحمد، لازال قيد الحياة. وبالتالي فإن المؤتمر الاستثنائي كان يتشكل، في جانب واسع، من مندوبين لم تعد لهم صلة عضوية بالحزب أو من أولئك الذين فقدوا كل الشرعية.

الاستيلاء الثلاثي على السلطة

كانت الأسابيع التي أعقبت استقالة علي العسكري مسرحا لتحركات غير مسبوقة خاصة عبر الفيسبوك. هناك قادة سابقون غابوا تمام على الساحة، ، بعضهم منذ أكثر من عشر سنوات ، خرجوا صدفة من سباتهم وصمتهم ليطلقوا تصريحات عدائية، خالية في أغلبيتها  من أي مضمون سياسي. وقد تلبد الجو المحيط بالحزب نتيجة لإيماءات وخطب غامضة تفتقد لتحليل جدي والى اقتراحات ملموسة.

 

تنعكس حالة  التحلل الجارية حاليا بالفراغ على مستوى المفاهيم ومطالب حادة مليئة بالضغينة ولا علاقة لها بالسياق السياسي العام. فخطاب علي العسكري وجماعته  يتمحور أساسا حول المطالبة باعادة دمج – بعودة- المناضلين السابقين في الحزب.إنها الفكرة الوحيدة والشعار الاوحد لهذه المجموعة التي لاتقدم  مقترح سياسي بديل أو تجديدي.

 

هذا المطلب المشكوك في سلامته بالنظر إلى الأسباب التي أدت بالحزب إلى فصل بعض هؤلاء المناضلين السابقين يرافقه نقد خبيث تشخصي ضد العديد من إطارات الحزب المعروفين والمعترفلهم على أنهم من الاوفياء للخط السياسي  للحزب الذي رسمه الراحل أيت أحمد.

كان هذا التذبيح اللفظي كان مصحوبًا بترهيب وبعنف جسدي وهيسلوكات غريبة تماما عن ممارسات الحزب. وقد حصل اعتداء جسدي ضد إطارين داخل مقر الحزب بالجزائر العاصمة. كما قامت نائبة سابقة برش عضوا في الهيئة الرئاسية بالمياه خلال انعقاد المجلس الوطني الاستثنائي المنعقد في 9 مارس 2018.

وخلال انعقاد نفس الدورة للمجلس قام أنصار علي العسكري بمحاصرة  -باتم معنى الكلمة-  لقاعة الاجتماع ، حيث كانوا يصيحون و يشتمون بعض أعضاء المجلس الوطني حين اخذهم الكلمة. وهي طرق عمل عصابات غير مسبوقة في التاريخ الطويل للحزب. وتميزت هذه الجلسة برفض المتحالفين  مع علي العسكري في الفصل بالتصويت حول مسألة عقد مؤتمر عادي أم استثنائي.

 

كلمة شرف علي العسكري

امام الانسداد تقرر عقد اجتماعا آخر للمجلس وطني بعد خمسة عشر يومًا.و في أجواء من التوتر، توصل هذا المجلس الوطني الثاني، برعاية  مكتب المجلس، إلى حل وسط يتمثل في عقد مؤتمر الاستثنائي جدول يكون جدول أعماله نقطة واحدة وهي استكمال تعيين المقاعد الثلاثة الشاغرة للهيئة الرئاسية، بما في ذلك مقعد علي العسكري.

تم قبول هذه التسوية من قبل كل الأطراف، بما في ذلك السكرتير الأول، محمد حاج جيلاني وعلي العسكري ،العضو المستقيل الذي اعطى”كلمة شرف” أمام أعضاء الهيئة الرئاسية والسكرتير الأول وأعضاء مكتب المجلس الإدارة ، بأنه سيحترم هذا الحل الوسط.

قام بعد ذلك، رئيس مكتب المجلس الوطني ، محند أمقران الشريفي ، بقراءة القرار. وعلى هذا الأساس أيدت الاطارات قرار المجلس بعقد مؤتمر استثنائي. وقد انعقد فعلا في يوم 20 أبريل. في ذلك اليوم ،تفاجئ المناضلين بتملص كل من علي العسكري و محند أمقران شريفي  من التزامهم، وتم ذلك بتواطؤ من السكرتير الأول ، محمد حاج جيلاني، حيث قدموا قائمة للتصديق من طرف المؤتمرين.وقد انكشفت هكذا  بشكل مفضوح المناورة القائمة على الأكاذيب والخداع.

وبعد التصويت، تحصلت القائمة “المفاجأة” التي تم تحضيرها بصفة سرية بين محند أمقران شريفي وعلي  العسكري على أغلبية الأصوات ضد قائمة شكلت في اللحظة الاخيرة من المنتخبين الشباب وكان هناك فارق 44 صوتًا بين القائمتين. كان بديهي بأن علي العسكري و محندأمقران شريفي بدعم من محمد حاج جيلاني كانوا قد مهدوا الطريق لضمان سيطرة سريعة على الحزب حتى تكون لهم مطلق الحرية في فرض خطة انكشفت بعد بضعة أيام.

التغطية المتعاطفة المدهشة جدا للصحافة

أظهرت الصحف التي تعاملت مع استقالة علي العسكري والمؤتمر الاستثنائي الذي جاء بالثلاثي /العسكري-شريفي- حاج جيلاني/ على رأس الحزب تعاطف مدهش غير مسبوق تجاه الأفافاس. تقريبا كل الصحف والمواقع الاعلامية  تبنت رواية علي العسكري. وتم تقديم هذا الأخير على أنه المقوم لحزب ابتعد عن مبادئه التأسيسية. ويظهر الإجماع الإعلامي النادر في بعض هذه العناوين:

“علي العسكري يتولى المقاليد من جديد” -لكسبرسيون-، “علي العسكري يخرج معززا ، الديوان الأسود معزول” -TSA-، “علي العسكري يعلن عن عملية  تطهير”-ليبرتي-.

وحتى الجريدة الإلكترونية -الجيري باتريوتيك- المملوكة لعائلة الجنرال المشؤوم نزار، انضمت إلى الجوق وتبنت نفس الخطاب حول العودة المزعومة للنهج التاريخي للحزب . وهو أمر لم يسبق له مثيل في سجلات التغطية الاعلامية ـ النادرة وفي العموم جد سلبية ـ لنشاطات الحزب من طرف صحافة النظام.

 

وفي أعقاب انتخابها قامت القيادة الجديدة بعمليات متسارعة  من التعيينات وهو سباق يبدو هدفه واضح : السيطرة الكاملة على الحزب في أسرع وقت. وعملية “التطهير” التي أخذت طابع تصفية الحسابات بدأت فور تنصيب الفريق الجديد.

تم إبعاد إطارات من الحزب وتغيي رئيس المجموعة البرلمانية. تم استحداث أمانة وطنية جديدة من أربعين شخصا. كما تم تعيين “مستشارية” دبلوماسية من خمسة أشخاص وإنشاء ” مكتب إستشارة” يضم قادة سابقين أبعدهم حسين آيتأحمد. وتم تعيين مدير جديد لجريدة “ليبر آلجيري” (الجزائر الحرة )، وسيأتي دون شك دور الفروع والفدراليات في الأسابيع المقبلة.

 

التسلسلات السياسية الثلاث التي سبقت التحكم في الحزب

 

أثارت جنازة حسين آيت أحمد التي تم تنظيمها بطريقة مثالية من طرف الحزب وعائلة المرحوم غضبا معلنا للنظام الذي رفض له أي تدخل في الحدث. وصورة حكومة سلال وهي مصطفة قبالة عائلة آيت احمد وقادة الحزب مع التابوت الذي كان يتوسط القاعة الشرفية بمطار هواري بومدين بقيت لمدة طويلة في الأذهان. وقد شكل كل من وداع القائد الرمز والاقتراعين الذين تم تنظيمها خلال سنة     2017 مراحل غنية بالدروس:

 

العدد الهائل للجزائريين من كل الآفاق ـ وكانت الصور معبرة ـ الذين رافقوا المرحوم إلى مثواه الأخير بمسقط رأسه أظهرت للنظام أن الأفافاس لا زال يحظى بسمعة طيبة واحترام المواطنين. لقد كان الحماس والانضباط الشعبي الذي ساد استجابة لشعارات الحزب تذكيرا مؤلما بالنسبة للبوليس السياسي. أما الانتخابات التشريعية في ماي 2017 التي تحصل فيها الحزب على 14 مقعدا وعلى الرغم من نقاط ضعفها وحدودها فهي أكدت عن وجود حقيقي للحزب على الرغم من بيئة إدارية وبوليسية معادية.

وفي ظرف يتميز بالتزوير والهذيان السياسي عرف الأفافاس كيف يحافظ على وجوده في المجلس الشعبي الوطني خاصة مع انتخاب سليمة غزالي بالجزائر العاصمة وهي وجه للمعارضة والمديرة السابقة للأسبوعية الممنوعة /لا ناسيون/ والحائزة على جائزة ساخاروف لحقوق الإنسان والتي كانت مستشارة مسموعة من طرف حسين آيت أحمد من عشرين سنة خلت.

وأظهرت الانتخابات المحلية لنوفبر 2017 بوضوح قدرة التجنيد للحزب وفي أول المطاف بروز جيل جديد من المناضلين قادرين على مواصلة النضال التاريخي للأفافاس.

 

هذه السلسلات السياسية الثلاث أقنعت النظام بالضرورة الملحة لتحييد الحزب قصد إدماجه في لعبة زائفة ضمن مشهد سياسي مسيطر عليه تماما. الظروف القانونية عبر استغلال القانون الأساسي ووجود عناصر موالية للنظام في هيئة القيادة، سمحت للمصالح المختصة للنظام بأن تتحرك بسرعة قصد التحكم أخيرا في المعقل السياسي الوحيد الذي كان خارج سيطرتها.

لقد تم ذلك الآن.

 

*- صحافي مستقل، الجزائر

 

(1) حسين أيت-أحمد وهويخاطب الجنرال نزار خلال محاكمة “الحرب القذرة” بباريس في يوليو 2002: “بيني وبينك، هناك نهر من الدماء. ”

بقلم .. رفيق لبجاوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق