آراء وتحاليلالأرشيف

البراءة لمبارك..تاج الثورة المضادة!

لم تعد مقادير الأمم تحسم في مجالس الحكم وإنما في روح الجماهير¹ هي عبارة تلخص نظرة غوستاف لوبون للثورات تبلورت كنتيجة لملاحظة الثورة الفرنسية وهي تكاد تقطف ثمار نجاحها، لكن بعد 222 سنة من صدور كتابه كانت حافلةً بالثورات والثورات المضادة يظهر جليا أن هذا الحكم يرزح تحت وطأت الانحياز المبالغ.

كانت الشعوب العربية هذا الأسبوع شاهداً مشدوهاً في دورِ المفعول به، باستكمال المشهد لآخر حلقات إجهاض الثورة المصرية، ليُأكِّد بذلك جاهراً تلك الحكمة اليمانية القديمة الفذة “الثورة يقوم بها الأحرار ويتربع على عرشها الأنذال”.. بتبرئة الرئيس المخلوع حسني مبارك تُتوَّج الثورة المضادة على عرش السلطة في مصر، زارعةً في نسيج المجتمع البهتان والشقاق، وما هذا الأمر باليسير الهين، وإنما يفضي إلى تداعيات غير منظورة للملاحظ البسيط، ولِمن تحذوه الرغبة في كشف الغطاء عن نتائجها، ففي التاريخ القريب جدا عِبر تتيح لمن يرمي البصر مزية استشفاف ما تحوله الحوائل من البلاء والوبال، أنّت له شعوب الجزائر وإيران وروسيا بل الثورة الفرنسية حتى، التي كادت أن تُؤتي ٱكلها، لتنتكص آذِنتً بزمن الثورة المضادة وقبض البورجوازية بتلابيب الحكم.

إن الثورات العربية الأخيرة صدق فيه لحد بعيد وصف الموجة.. كانت قمة هذه الموجة الثورة السورية، لتؤول الى التقهقر متبعة نفس خط الصعود وتتحطم على صخور الدولة المصرية العميقة، تاركة دوامة تسمى سوريا لعلها تميز الطيب من الخبيث و اللآلئ من الزبد. وبالافتراض أن كل الثورات تمر بمرحلتين كما قرأتها للدكتور الفلسطيني إبراهيم أبراش²، مرحلة الهدم -هدم النظام القديم برموزه وأصنامه- ومرحلة البناء، فإن الثورات العربية لم تصل إلى المرحلة الأولى حتى، ما جعلها أشبه باحتجاجات متصاعدة شكلا ومضمونا، تم الالتفاف عليها بمهارة فناني ألعاب الخفة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه وبشدة، أين كان الخطأ أو الأخطاء في هذه الثورات. حتى وإن لم يكن هذا الالتفاف بدعاً في التاريخ يجب أن يطرح هذا السؤال بحدة ومحاولة الإجابة عنه بجدّية، حيث أنّ هذه الأحداث نبّهت العلماء للبحث بدأب فيما أضحى يصطلح عليه بعلم الثورة المضادة. الثورات العربية كانت عفوية وبلا تخطيط مسبق فهل هذا ما كان خطأً أصابها في مقتل؟ شخصيا لا أعتقد بهذا لكنه يبقى احتمال، هل كان الخطأ في الشكل أم المضمون؟ شكلا بقصر النفس واستعجال الثمار بعد عدة أشهر، في حين نجد أن الثورة الإنجليزية دامت لمائة سنة حتى تمكنت من تحقيق هدفها وتؤسِّس لحكم ملكي دستوري. إضافة الى طبيعة الحكم عند العرب المعتمدة بشكل خاص على الدولة العميقة المتشعبة والمتمرِّسة على فنون الغدر والمكر. الشعوب كانت أقرب إلى السذاجة بتوقعها بناء مجتمع جديد بأفكار تنبض بالقطيعة مع الأفكار البالية بمجرد إسقاط الرئيس، وهذا ما يشكل الخطأ الفادح في المضمون ” إنها تريد تغيير مؤسساتها.. ولكن عمق هذه المؤسسات ومضمونها يبقى معبراً عن الحاجات الوراثية للعرف، وبالتالي فهي تعود إليه في نهاية المطاف“³ هذا الذي جعل قواد الثورة يمسون خونة ومطاردين إن لم يكونوا شهداء ومفقودين، في معادلة تجمع نقص الخبرة .-إن لم نقل انعدامها- بإحسان الظن و بسياسات تعبر عن طمعٍ في مسعدة أو اتقاءٍ لمناوأة، وأحيانا بباعث تغليب كفةِ جناح أو إيديولوجية على أخرى، كل هذا شكل أساساً متيناً لإعادة ترميم النظام المتداعي والانتقام من الثوار، وهذا صميم ما يشير إليه مالك بن نبي في قوله ” الثورة لا ترتجل.. إنها إطراد طويل يحتوي ماقبل الثورة والثورة ومابعدها والمراحل هذه لا تجتمع بمجرد إضافة زمنية، بل تمثل نموا، وإذا حدث خلل في هذا النمو فقد تكون النتيجة زهيدة تخيب الآمال“⁴.

قياساً بهذا التنظير يتضح جلياً أن الثورات العربية لم تستوفِ شروط النجاح ما جعلها تبدأ بعنفوان وتنتهي باهتةً، زاد تقاطعها مع مشروع الفوضى الخلاقة، ما جعل ” البلاد نفسها بعد الثورة في الوضع السابق على الثورة، وربما أكثر خطورة“5. أرجوا أن يؤخذ هذا الموضوع بجديّة من طرف الباحثين المختصين بالعلوم السياسية والاجتماعية، حتى لا ندخل في فئة حلفاء إجهاض الثورة كما يسميهم مالك بن نبي في قوله:” لا خير حليف لأساتذة الصراع الفكري ومجهضي الثورة من الظلام والسكوت“6.

بقلم: أيوب مرين جامعي

الهامش:- 1- غوستاف لوبون/سيكولوجية الجماهير ص44. 2- د. ابراهيم ابراش/علم الإجتماع السياسي: مقاربة ابستمولوجية ودراسة تطبيقية على العالم العربي ص283. 3- غوستاف لوبون/نفس المرجع السابق ص78. 4- مالك بن نبي/بين الرشاد والتيه ص14. 5- مالك بن نبي/مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ص120. 6- مالك بن نبي/نفس المرجع السابق ص126.

مقالات ذات صلة

إغلاق