إعلان blm com
إسرائيل : علماء ومثقفون و .. رؤساء !

إسرائيل : علماء ومثقفون و .. رؤساء !

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم … لم يُبن ملك على جهلٍ وإقلالِ
كفاني ثراءً أنني غير جاهـــلٍ … وأكثر أرباب الغنى اليوم جهالُ
أحمد شوقي

Israel Presidents
Israel Presidents

وضع “بيتر دروكر” مؤسس علم التسيير (المانجمنت) قاعدة لا تخرج عنها، في تقديري، أي إستراتيجية لبناء الاقتصاديات والمجتمعات والدول: ماذا يقول العلم في كذا وماذا تقدمه لنا تجارب الأمم في كذا؟ وكل ارتجال يهمل هذه القاعدة يكرس بالضرورة التخلف ويحول دون أي إقلاع. فما بالكم إذا كان العلم في بلد ما آخر أولوياته وكان الطغيان بالجهل والترهيب نظام حكمه وكانت أحوال معاشه ترتب وتدار بريوعه وديونه لا بمكاسب جهده وإبداعه؟

هذه مساءلات لأنفسنا وتساؤلات عن وضعنا، أحاول الإجابة عنها بدراسة حالة كيان إسرائيل من حيث علاقة رأس هرمه بالعقل والعلم والتقانة وتنوع التجارب والخبرات. من هم رؤساء إسرائيل؟ و ما أدوارهم في تطوريها؟ وكيف جعلوا منها مركزا عالميا ضخما لإنتاج العلم وقوة إقليمية ودولية يحسب لها ألف حساب؟

ما يستوقفني بصفة دائمة في دراستي المتواضعة لليهود تاريخا وتطورا وصراعات وإنجازات وانكسارات (بكثير من التعجب والإعجاب بعيدا عن المواقف الدينية والإيديولوجية من الصهيونية خاصة)، مدى قدرتهم على صناعة الأسطورة وإعادة بناء المرجعية الدينية· فهم يرون أنهم أمة ” الأنبياء والملوك” و”ضحايا” الإنسانية· أضف إلى ذلك حراكهم التاريخي الذي لا يتوقف وطاقتهم التي لا تنضب. مما صقل فيهم روحا تجتمع فيها كل المفارقات والمتناقضات الفضيلة منها والرذيلة· فتمسكهم بالعقائد وإيمانهم بإنية سامية مشتركة رغم شتاتهم وعضهم على الحياة بجميع الوسائل، مكنهم من التغلغل في العالم واستغلال لحظات الضعف المتكررة في مسار الإنسانية ·

إن فعاليتهم (في الخير أو الشر) تفوقها عند غيرهم بسبب إدراكهم الدائم والواعي للمنطلق والغاية في آن واحد، ومعرفتهم بآليات التكيف والتعايش والاستفادة من هذه المنظومة أو تلك أو تخطيطهم لإحداث الفتنة فيها أو إعلان الحرب عليها· ولذلك ظل ارتباطهم منذ التاريخ وثيقا بسلطان القوة والإمبراطورية وزرع روحهم فيهما، وتلكم إستراتيجية “الصهيونية العالمية” منذ ميلادها !

إن هذه “العبقرية” (مع تقديري لمشاعر من ينكرون على اليهود ذلك) قد تشكلت وترسخت ضمن نسق آخر أوسع وأهم بنظري، هو إيمانهم وتمسكهم بالعلم حد العقيدة المطلقة· مما رفع من شأن عقولهم وأعطاهم مفاتيح العالم· ولا حاجة لي أن أفسر ذلك، فالبداهة لا تحتاج إلى برهان من حيث انتاجهم للعلم والمعارف وتقدمهم الكبير في مجال الاختراع والاكتشاف والثورات العلمية وتأسيسهم لعلوم ومناهج جديدة وتصدرهم المراتب الأولى وأكبر الجوائز العالمية .

إن حديثي هنا لا يعني أبدا “تعظيم الصغير” أو “تصغير العظيم ” أو حتى الانسياق وراء “إيديولوجية ما” سواء أكانت صبغتها دينية أو سياسية أو فلسفية، إنها فقط محاولة لمعرفة سر الآخر دون التسرع في الحكم عليه بجهل أو حمية أو إمتاع وإرضاء للذات المريضة ·

فللتفوق أسبابه وخصائصه وللتخلف جذوره ومكرساته أيضا· وسآخذ معكم في مقالي هذا مثالا عن ذلك عساه يحرك فينا ساكنا ويوقظ فينا حلما وعقلا· إنه مثال العلاقة بين السياسة والعلم والثقافة في إسرائيل، والعينة البشرية المدروسة هي رؤساء إسرائيل منذ ميلادها ككيان قصري على أرض فلسطين عام 1948 .

ومن قبيل التنبيه، فإن الرئيس في إسرائيل (ناسي بالعبرية) ينتخبه الكنيست وهو منصب شرفي وبروتوكولي أكثر منه صاحب صلاحيات دستورية ضخمة، فالنظام ليس رئاسيا· ومن بين سلطاته الرمزية وواجباته حرصه المستمر على الوحدة الوطنية وعدم تدخله في الصراعات السياسية وتمثيله الرسمي لبلاده في الخارج واستقباله أوراق اعتماد السفراء الأجانب وافتتاحه للجلسة الأولى للكنيست(البرلمان)، وعفوه عن المساجين باقتراح من وزير العدل وتعيينه للفائز في الانتخابات النيابية لتشكيل الحكومة·· الخ ·

عرفت إسرائيل منذ تأسيسها عشرة رؤساء من دون أي انقلاب أو اغتيال أو نية في تغيير دستوري لنظام الحكم.

أما أول الرؤساء فكان حاييم وايزمان (1874 ـ 1952) الروسي المولد، كيميائي متخرج من جامعة فريبورغ السويسرية فأستاذ بجامعة جنيف تم مانشستر (بريطانيا)· ساهم في الحرب العالمية الأولى، بعدما أصبح مواطنا إنجليزيا، بتطويره تقنية تخمر بكتيري قادر على إنتاج كميات هائلة من المواد كالأسيتون، الأساسية في صناعة المتفجرات ·

وقد أسس جمعية ألبرت اينشتاين (هذا العالم الفريد الذي طلب منه أن يكون رئيسا لإسرائيل  سنة 1952 ولكنه رفض) بمعهد الجامعة العبرية بالقدس (التي أصبحت تنتج علميا فيما بعد ضعف ما تنتجه كل الجامعات العربية مجتمعة)، كما أسس معهد وايزمان للبحث العلمي وله عدد كبير من الدراسات والبحوث العلمية المنشورة ·

إن شخصية هذا الرئيس العالم لم تكن معزولة عن السياسة والخط الصهيوني·· فقد ترأس المنظمة الصهيونية العالمية مرتين بين 1920 ـ 1946 وكان قبلها بسنة (1919) وقع اتفاقية الملك فيصل ـ وايزمان المتعلقة بإدارة العلاقة بين العرب واليهود في الشرق الأوسط والأدنى· وأهم من ذلك بالنسبة للكيان الصهيوني، فقد عمل وايزمان مباشرة مع اللورد بلفور في تحرير إعلانه المشهور المشؤوم، وللربط فإنه عم من سيصبح سابع رؤساء إسرائيل عيزر وايزمان الذي سنتحدث عنه لاحقا ·

في سنة ,1952 اعتلى إسحاق بن زفي الرئاسة (1884 ـ 1963) الأوكراني الأصل· وقد كان مؤرخا فحلا مختصا في تاريخ الجماعات اليهودية (أكثر من عشرين مجلدا· أما أبوه فكان أستاذا وكاتبا مرموقا ·

لقد كان بن زفي يساريا صهيونيا منذ شبابه، وساهم في تأسيس الهاغانا (منظمة الدفاع اليهودي) وترأس الفاآد حالومي (المجلس الوطني) بين 1931 و1938 إلى أن أصبح عضوا فاعلا في أول كنيست إسرائيلي عام 1949

بعد وفاته عام 1963 انتخب زلمان شازار (1889 ـ 1974) القادم من روسيا البيضاء، رئيسا جديدا لإسرائيل· كان كاتبا وشاعرا وصحفيا· درس التاريخ والفلسفة الألمانية وتعمق في النقد الإنجيلي والأدب اليهودي الألماني وتأثر بالصوفية اليهودية (الكابالا). كما كان مولعا بمجالسة الكتاب والمفكرين (حيث أنشأ صندوقا قوميا لإعانة البحث والإبداع والمثقف مازال مستمرا كتقليد إلى اليوم) علاوة على شغفه بشؤون التربية والتكوين حيث كان وزيرا للثقافة والتربية أيضا.

أما خليفته إفراييم كاتزير الأوكراني أيضا (1916) فأصبح رئيسا عام 1973 متحصل على دكتوراه في الكيمياء الحيوية، ساهمت بحوثه في تراكيب البروتينات النموذجية في فهم تطور وثورات البيولوجيا والكيمياء والفيزياء وعمقت تقنيا ما أصبح لاحقا يعرف بالشفرة الجينية والاستجابات المناعية· وقد كان للبروفسور كاتزير الفضل في تطوير أنواع جديدة من المضادات الحيوية (تتناول عن طريق الفم) من خلال عمله على الإنزيمات الثابتة·· مما طور فروعا جديدة في حقل البحث الطبي (حصل على جائزة اليابان للبحوث عام 1985)· وعلاوة على ذلك ساهم في تأسيس عدد من مراكز البحوث وأدخل علوما جديدة في البحوث العسكرية وربط بين مؤسسات البحث والتطوير والمؤسسات الحكومية· وبمجرد ما انتهت ولايته كرئيس، عاد للبحث والتدريس وطور دائرة البحوث البيوتكنولوجية بجامعة تل أبيب ·

بين عامي 1978 و1983 انتخب إسحاق نافون رئيسا خامسا لإسرائيل· ولد عام 1921 بالقدس في أسرة حاخامات عريقة، وتخصص في علوم التربية والدراسات الإسلامية بالجامعة العبرية، وعلاوة على حياته السياسية والدبلوماسية، اشتهر بكتاباته وإنتاجه الفني المسرحي وبرامجه التلفزيونية بمساعدة زوجته أوفيرا، عالمة النفس المتوفية عام 1993.

أما حاييم هارتزوغ، الرئيس السادس، (1918 ـ 1997) المولود بايرلندا الشمالية، ابن كبير حاخامات ايرلندا (سيصبح مستقبلا ثاني كبير الحاخامات الاشكيناز بإسرائيل)، فدرس بالأكاديمية التلمودية وكلية القانون، التحق بالمؤسسة العسكرية وأصبح ضابطا ساميا في الاستخبارات، عمل بعدها محللا استراتيجيا وخبيرا إعلاميا لفائدة إذاعة إسرائيل، عمل دبلوماسيا وسفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة· صاحب كتب مشهورة في التاريخ العسكري ومساهمات ذات أثر بمركز دراسات الشرق الأوسط والدبلوماسية التابع لجامعة بن غوريون.

أما سابعهم، الرئيس عيزر وايزمان (1993 ـ 2000)، فولد بتل أبيب (1924) وترعرع بحيفا، وهو ثاني رئيس في عائلته بعد عمه حاييم، تكوينه عسكري محض، متخصص في الطيران الحربي وشؤون التصنيع، ولذلك كانت علاقته وطيدة بالبحث والتطوير حيث تقلد منصب وزير العمل والتنمية عام 1988  أما عمله السياسي فتراوح بين الحكومة والكنيست وتأسيسه لحزب يا هاد عام 1984.

أما الرئيس الإسرائيلي الثامن، موشيه كاتساف، فولد عام 1945 بإيران ومتخرج من قسمي التاريخ والاقتصاد بالجامعة العبرية بالقدس، كما أنه درس علوم التربية واللغات·· ومارس العمل الصحفي كمحقق بصحيفة “إيديعوت آحرنوت”.و كان عضوا بمجلس إدارة جامعة بن غوريون. يتقن الفارسية والعبرية والإنجليزية والعربية.

تاسع رؤساء إسرائيل، شمعون بيريس (1923-  ). تقلد هذا المنصب في الفترة مابين 2007 و2014 بعدما تقلد منصب رئيس الوزراء لفترتين بين 1984-1986 و 1995-1996. يعتبر من أقدم الشخصيات السياسية الإسرائيلية المرموقة وآخر الآباء المؤسسين لإسرائيل . ولد بيريس بمقاطعة فتشنيف ببولونيا والتي صارت حاليا تابعة لروسيا البيضاء. رحلت أسرته لتل أبيب سنة 1934 وهناك زاول دراسته العلوم الزراعية

ثم العلوم الاجتماعية بجامعتي نيويورك وهارفارد. قبل أن يلتحق بالهاغانا (قوات الدفاع الإسرائيلية التي أصبح قائدها لاحقا). عينه ابن غوريون مديرا عاما بوزارة الدفاع سنة 1953 مما مكنه من تسليح كيان إسرائيل الفتي وجعل منه بالتعاون مع فرنسا سادس قوة نووية في العالم من خلال تأسيسه لديمونة أول مفاعل نووي إسرائيلي. وعلاوة على تقلده مختلف الوزارات الحساسة، ونشاطه السياسي الحزبي والدبلوماسي ،عرف بيريس بحنكته العسكرية وذكائه الاستخباراتي. مولع بالالكترونيات الدقيقة و”اصطياد” العقول. يتحدث لغات عدة مثل العبرية والبولندية والروسية والفرنسية والانجليزية وكتب أزيد من أربعة عشر كتابا. حصل سنة 1994 على جائزة نوبل للسلام مقاسمة مع ياسر عرفات وإسحاق رابين .

أما الرئيس العاشر الحالي فهو رؤوفين ريفلين (1939-  ) .من مواليد القدس من أسرة تمتد جذورها لبدايات القرن التاسع عشر. كان والده عالما باللغات السامية وهو أول من ترجم معاني القرآن الكريم وكتاب ألف ليلة ولية للغة العبرية.  درس رؤوفين ريفلين القانون بالجامعة العبرية بالقدس ومارس المحاماة والتحق كمعظم النخب الإسرائيلية بالاستخبارات ليبدأ بعدها سنة 1988 حياته السياسية نائبا بالكنيست ثم رئيسا له لفترتين بين 2003 و 2006 و 2009 و 2013 عن حزب الليكود.. ويعتبر من كبار “صقور ” اليمين الإسرائيلي في رفضه قيام دولة فلسطينية ودفاعه المستميت عن “إسرائيل الكبرى” من النهر إلى البحر .

إن مكانة العلم والاحتكاك المباشر للسياسي والعسكري الإسرائيلي بالعلماء والمثقفين والجامعات ومراكز البحث والتفكير علاوة على الاستعانة بالخبرة والتنوع الثقافي والعرقي للشتات اليهودي تعد عوامل أساسية في بناء الكيان الإسرائيلي اليهودي العبراني الصهيوني· ولم نقدم هذه العينة البشرية إلا نموذجا لما هي عليه إسرائيل في الداخل والخارج من إيمان بعقائدها واعتبار للعلم والذكاء والمنافسة في كل شيء·

ليس من الضروري أن يكون كل الرؤساء والقادة ومتخذي القرار علماء ومفكرين (وكم نتمنى أن يكون ذلك ممكنا عندنا) لكن الأهم أن يحيطوا أنفسهم بأهل العلم والدراية والعارفين بتجارب الأمم قدوة واستنارة واستشارة ضمن مشاريع مجتمعات ودول حقيقية أساسها العلم والتفكير والعمل المنتج المبدع بأنظمة حكم ديمقراطية شرعية عادلة.

“يا معشر الجن والأنس،إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والأرض فانفذوا.لا تنفذون إلا بسلطان” قرآن كريم . وما السلطان هنا إلا العلم  غير أن المسلمين لم يحتفظوا إلا بسلطان الغلبة واستبدوا به ونأوا بأنفسهم عن فعل “اقرأ “وجعلوه عدوا.

بقلم فضيل بومالة

نبذة عن الكاتب

1 تعليقات

  1. Fouad BANAT

    ما نستخلصه و نستنتجه أستاذ بومالة و أنت مشكور على هذا البحث و المعلومات الهامة ، هو أن قادة إسرائيل على مر الزمن برهنوا من خلال تداولهم على السلطة أن الأمر المهم يمكن في تنصيب الذي يكون فوق كل إعتبار ليس مثل بعض الدول الإسلامية لألسف ، إختيار الأمير ينبثق من صميم المصالح . اليهود من الزمن القديم تُنسب لهم الحِكمة بعيدا عن الشهوات و الغدر عكس ما تتصف به أمتنا و هذا في إعتقادي منبع فشلنا ومصدر الفتن …خلاصة القول ، صحيح أننا مرغمين بعدم التشبّه باليهود في الكثير من الصفات لكن الحكمة أن نتحلى بالعِلْم حتى وإن كان وليد اليهودية .

    الرد

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *